المقريزي

190

إمتاع الأسماع

وكان عليه السلام تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحي ، وإذا نام نفخ ولا يغط وإذا رأى في منامه ما يكره قال : هو الله لا شريك له ، وإذا أخذ مضجعه قال : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور . وكان لا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية ويكافئ عليها ، ولا يتأنق في مأكل ، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع ! هذا وقد آتاه الله مفاتح خزائن الأرض فلم يقبلها ، بل زهد في الدنيا ، واختار عليها الله والدار الآخرة . وأكل الخبز بالخل وقال نعم الإدام الخل ، وأكل لحم الدجاج ولحم الحباري ، وكان يأكل ما وجد ، ولا يرد ما حضر ، ولا يتكلف ما لم يحضر ، ولا يتورع عن مطعم حلال ، إن وجد تمرا دون خبز أكله ، وإن وجد شواءا أكله وإن وجد خبز بر أو شعير أكله ، وإن وجد حلوى أو عسلا أكله ، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد ، وكان له من أصحابه من يبرد الماء وقال للهيثم بن التيهان ( 1 ) كأنك علمت حبنا اللحم ، وكان لا يأكل متكئا ، ولم يأكل على خوان ، ولم يشبع من خبز بر ثلاثا تباعا حتى لقي الله عز وجل ، وكان يفعل ذلك إيثارا على نفسه ، لا فقرا ولا بخلا . وكان يحضر الوليمة إذا دعي إليها ، ويجيب دعوة العبد والحر ، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب ، وكان يحب من المأكل الدباء وذراع الشاة ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن ، وكان منديله باطن قدميه ، ويأكل خبز الشعير بالتمر ، وأكل البطيخ بالرطب ، والقثاء بالرطب ، والتمر بالزبد ، وكان يحب الحلوى والعسل ، ويشرب قاعدا ، وربما شرب قائما ، وكان يتنفس في الإناء ثلاثا ، مبينا للإناء عن فمه ، ويبدأ بمن عن يمينه إذا سقاه ، وشرب لبنا وقال : من أطعمه الله .

--> ( 1 ) هو مالك بن التيهان ، واسم التيهان أيضا : مالك بن عيتك بن عمرو بن الأعلم بن عامر بن زعون ، ابن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك الأنصاري حليف بني عبد الأشهل ، كان أحد النقباء ليلة العقبة ثم شهد بدرا ، واختلف في وقت وفاته ، فأصح ما قيل فيه : إنه شهد مع علي صفين ، وقتل فيها رحمه الله ، يقول السهيلي : ( واحسب ابن إسحاق وابن هشام تركا نسبه على جلالته في الأنصار ، وشهوده هذه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا خلاف فيه ) وقد ضاف الهيثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في منزله ومعه أبو بكر وعمر فذبح لهم عناقا وأتاهم بقنو من رطب ( الروض الأنف للسهيلي ) ج 2 ص 195